أحمد بن محمد المقري التلمساني

158

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

[ من رسالة لأبي جعفر بن عطية كانت السبب في ظهور تفوقه ] ومن فصول رسالته التي كتب بها عن أبي حفص ، وهي التي أورثته الرتبة العليّة السنيّة ، والوزارة الموحّديّة المؤمنية ، قوله : « كتابنا هذا من وادي ماسة بعد ما تجدّد من أمر اللّه الكريم ، ونصر اللّه تعالى المعهود المعلوم وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [ آل عمران : 126 ] فتح بهر الأنوار إشراقا ، وأحدق بنفوس المؤمنين إحداقا ، ونبّه للأماني النائمة جفونا وأحداقا ، واستغرق غاية الشكر استغراقا ، فلا تطيق الألسن لكنه وصفه إدراكا ولا لحاقا ، جمع أشتات الطلب والأرب ، وتقلّب في النعم أكرم منقلب ، وملأ دلاء الأمل إلى عقد الكرب : [ البسيط ] فتح تفتّح أبواب السماء له * وتبرز الأرض في أثوابها القشب « 1 » وتقدّمت بشارتنا به جملة ، حين لم تعط الحال بشرحه مهلة ، كان أولئك الضالون المرتدّون قد بطروا عدوانا وظلما ، واقتطعوا الكفر معنى واسما ، وأملى لهم اللّه تعالى ليزدادوا إثما ، وكان مقدّمهم الشقي قد استمال النفوس بخز عبلاته ، واستهوى القلوب بمهولاته ، ونصب له الشيطان من حبالاته ، فأتته المخاطبات من بعد وكثب « 2 » ، ونسلت إليه الرسل من كلّ حدب ، واعتقدته الخواطر أعجب عجب ، وكان الذي قادهم إلى ذلك ، وأوردهم تلك المهالك ، وصول من كان بتلك السواحل ، ممّن ارتسم برسم الانقطاع عن الناس فيما سلف من الأعوام ، واشتغل على زعمه بالقيام والصيام ، آناء الليالي والأيام ، لبسوا الناموس أثوابا ، وتدرّعوا الرياء جلبابا ، فلم يفتح اللّه تعالى لهم للتوفيق بابا » . ومنها في ذكر صاحبهم الماسي المدّعي للهداية : « فصرع بحمد اللّه تعالى لحينه ، وبادرت إليه بوادر منونه ، وأتته وافدات الخطيئات عن يساره ويمينه ، وقد كان يدّعي أنه بشّر بأنّ المنيّة في هذه الأعوام لا تصيبه ، والنوائب لا تنوبه ، ويقول في سواه قولا كثيرا ، ويختلق على اللّه تعالى إفكا « 3 » وزورا ، فلمّا رأوا هيئة اضطجاعه ، وما خطته الأسنّة في أعضائه وأضلاعه ، ونفذ فيه من أمر اللّه تعالى ما لم يقدروا على استرجاعه ، هزم من كان لهم من الأحزاب ، وتساقطوا على وجوههم تساقط الذباب ، وأعطوا عن بكرة أبيهم صفحات الرقاب ، ولم تقطر كلومهم إلّا على الأعقاب « 4 » ، فامتلأت تلك الجهات بأجسادهم ، وآذنت « 5 » الآجال

--> ( 1 ) القشب : جمع قشيب وهو الجديد . ( 2 ) عن كثب : عن قرب . ( 3 ) الإفك : الكذب والافتراء . ( 4 ) هذه كناية عن جبنهم وفرارهم ، وأنه يقتلون فارين مولين ، وأخذ هذا من قول الشاعر : ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا * ولكن على أعناقنا تقطر الدما ( 5 ) آذنت : سمحت .